فخر الدين الرازي

189

الأربعين في أصول الدين

( محمد 19 ) وقال : « لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ » ( الفتح 2 ) وأما الملائكة فإنهم لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر . قال تعالى حكاية عنهم : « فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ » ( غافر 7 ) وقال : « وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » ( غافر 7 ) ولو كانوا محتاجين إلى الاستغفار ، لبدءوا في ذلك بأنفسهم . لأن دفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير ، قال عليه السلام : « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » وهذا يدل على أن الملك أفضل من البشر . الحجة التاسعة : قوله تعالى : « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ، لا يَتَكَلَّمُونَ ، إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ ، وَقالَ صَواباً » ( النبأ 38 ) والمقصود من شرح هذه الواقعة : المبالغة في شرح هذه عظمة الله . ولو كان في الخلق طائفة ، قيامهم بين يدي الله تعالى وتضرعهم في حضرة الله أقوى في الانباء عن عظمة الله وكبريائه من الملائكة ، لكان ذكرهم في هذا المقام أولى . ثم إنه سبحانه كما بين عظمته في الدار الآخرة بذكر الملائكة ، فكذلك بين عظمته في الدار الدنيا بذكر الملائكة . قال تعالى : « وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ » ( الزمر 75 ) وهذا يدل على أنه لا سنبة لهم إلى البشر البتة . الحجة العاشر : قوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ . كِراماً كاتِبِينَ ( الانفطار 10 - 11 ) وهذا عام في حق جميع المكلفين من بني آدم ، فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم . وهذا يقتضي كون الملائكة أفضل من البشر لوجهين : الأول : انه تعالى جعلهم حفظه لبنى آدم . والحافظ للمكلف - من المعصية - لا بد أن يكون أبعد عن الخطأ ، والمعصية من المحفوظ . وهذا يقتضي كونهم أبعد عن المعاصي ، وأقرب إلى الطاعات من البشر . وذلك يقتضي مزيد الفضل .